السيد مهدي الصدر

76

أخلاق أهل البيت ( ع )

وما دالت الدول الكبرى ، وتلاشت الحضارات العتيدة ، إلا بضياع العدل والاستهانة بمبدئه الأصيل ، وقد كان أهل البيت عليهم السلام المثل الأعلى للعدل ، وكانت أقوالهم وأفعالهم دروساً خالدة تنير للانسانية مناهج العدل والحق والرشاد . وإليك نماذج من عدلهم : قال سوادة بن قيس للنبي صلى اللّه عليه وآله في أيام مرضه : يا رسول اللّه إنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء ، وبيدك القضيب الممشوق ، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة ، فأصاب بطني ، فأمره النبي أن يقتصّ منه ، فقال : اكشف لي عن بطنك يا رسول اللّه فكشف عن بطنه ، فقال سوادة : أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ، فأذن له فقال : أعوذ بموضع القصاص من رسول اللّه من النار يوم النار . فقال صلى اللّه عليه وآله : يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص ؟ فقال : بل أعفو يا رسول اللّه . فقال : اللهم أعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيك محمد ( 1 ) . وقال أبو سعيد الخدري : جاء أعرابي إلى النبي صلى اللّه عليه وآله يتقاضاه ديناً كان عليه ، فاشتدّ عليه حتى قال له : أحرّج عليك إلا قضيتني ، فانتهره أصحابه وقالوا : ويحك ، تدري من تكلم ؟ ! ! قال : إني أطلب حقّي . فقال النبي صلى اللّه عليه وآله : هلا مع صاحب الحق كنتم ، ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها : إن كان عندك تمر فأقرضينا ، حتى يأتي تمرنا فنقضيك . فقالت : نعم بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه . قال : فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه . فقال : أوفيت أوفى اللّه لك ؟ فقال : أولئك خيار الناس ، إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع . وقيل : إن الاعرابي كان كافراً ، فأسلم بمشاهدة هذا الخلق الرفيع ، وقال : يا رسول اللّه ما رأيت أصبر منك ( 2 ) .

--> ( 1 ) سفينة البحار ج 1 ص 671 . ( 2 ) فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 122 عن صحيح ابن ماجة .